الثلاثاء، 11 مارس، 2014

الرقابة على الكتب: نعيش في عصور أوروبا المظلمة


اتسعت الرقابة على المطبوعات في أوروبا بعد اكتشاف آلة الطباعة في القرن الخامس عشر على يد المخترع الألماني غوتنبرغ والتي ساهمت في ازدهار الانتاج الورقي والكتابة. ولقد تباينت الرقابة أياً كان شكلها على مدار العصور باختلاف أحداثها لكنَّها في مجملها تمحورت حول الثالوث المحرَّم: الدين، السياسة والجنس. فخلال إحصائية قامت بها Anne Sauvy في كتابها "الكتب المضبوطة في باريس بين أعوام 1678 و 1701" ، وجدت أن معظم الكتب التي ضبطت خلال تلك الفترة تحدثت إما عن البروتستانية, الينسينية، السياسة، أو الأعمال الأدبية بشكل عام.

"بإمكانكم النقر على الصورة التي سحبتها عن كتابها لتكبيرها والحصول على تفاصيل الإحصائية."


لم يكن من السهل على كاتب يعيش في قرن معتم أن ينشر كتاباً أو يبعث بفكرة، فلقد وقفت الكنيسة بالمرصاد لوأد كل فكرة أو كتاب خالف سياستها عن طريق حرقه أو اتهام صاحبه بالهرطقة مع إصدار أحكام تعسفية بحق الكاتب كإعدامه أو طرده منها. وهذا ما حدث مع مارتن لوثر الذي نشر رسالة تضمنت قضاياه ال 95 ضد بيع الكنيسة في روما لصكوك الغفران، فحاولت الكنيسة محاججته في محاولة لرده إلى الطريق السليم مما زاده عناداً وإصراراً على موقفه فاتهمته الكنيسة بالزندقة. بينما جاليلو الذي صاغ نظرية مركزية الشمس وأن الأرض مجرد جرم سماوي يدور حولها أجبرته الكنيسة على التراجع عن نظريته وأقواله وفرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله.

غالباً ما كانت الكتب التي تمس نظام الحكم أو الكنيسة تنشر وتمرر بسرية تامة مما جعل فرنسا تقوم بتعيين جهاز شرطة رقابية مهمته مراجعة المنشورات وصك ختم عليها كمميز على مرورها بسلام من تحت مبضعهم مما سهل العملية الرقابية في القبض على الكتب الممنوعة. ومع مجيء الثورة الفرنسية (1789) أعلنت الجمعية الوطنية توافقها مع مواد حقوق الإنسان والمواطن الذي نصت مادته الحادية عشرة على :" 11. The free communication of ideas and opinions is one of the most precious of the rights of man; every citizen can then freely speak, write, and print, subject to responsibility for the abuse of this freedom in the cases is determined by law المادة 11: إن حرية نشر الأفكار والآراء حق من حقوق كل إنسان. فلكل إنسان أن يتكلم ويكتب وينشر آراءه بحرية. ولكن عليه عهدة ما يكتبه في المسائل التي ينص القانون عليها." إلا أن الرقابة على الكتب لم تتغير كثيراً، فالكنيسة عبَّرت عن غضبها إزاء الحرية المطلقة التي كانت الجمعية الوطنية قد أعطتها للكتاب وأخذ نابليون على عاتقه منع كل الكتب التي قد تؤدي إلى التأثير في الرأي الفرنسي أو الإساءة لنظامه.

لم يكن الدين أو السياسة السببين الوحيدين في حظر الكتب، بل تجاوز الأمر للكتب التي تحتوي على تصويرات فاحشة أو جنسية؛ فعام 1821 منعت رواية "فاني هيل – مذكرات امرأة متعة" لكاتبها جون كليلاند في الولايات المتحدة الأمريكية ومُنعت رواية "لوليتا" (1955) لكاتبها الفرنسي فلاديمير بانوكوف لذات السبب في عدد كبير من دول أوروبا، أمريكا ونيوزلندا. إضافة لعدد كبير من الروايات مثل "مدار السرطان" (1934)، "مدام بوفاري" (1856)، "يوليسس" (1922)، "دون غرزة" (1966) اللائي حُظرن فور نشرهن لاحتوائهن على محتويات جنسية. إلا أن فك الحظر عن هذه الكتب بدأ في مطلع ستينيات القرن الماضي في وقت على الأغلب كانت فيه الرقابة في العالم العربي تعيش عصرها المظلم.

لا تزال الدول العربية تمارس دور الوصي الذي كانت تمارسه أوروبا في أحلك عصورها جهلاً، فلا يحق لأي فرد كان أن ينشر كتاباً دون أن تتدخل فيهِ أكثر من جهة رقابية واحدة؛ ففي السعودية على سبيل المثال لا تتكفل وزارة الثقافة والإعلام وحدها بالرقابة على الكتب بل يأخذ جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عاتقه منع الكتب التي يرى أفراده أنَّها لا يجب أن تصل للشعب. ويُعتبر قانون منع كتاب ما بحجة تهديده للأمن العام فضفاضاً جداً مما أدى بالسعودية والكويت لمنع دخول كتاب "أنا سنية وأنت شيعي" (2013) للكاتبة السعودية سارة مطر على الرغم أن الكتاب فارغ جداً ولا يحتوي إلا على سرد ليوميات طالبة سعودية في البحرين ولكن عنوانه كان كفيلاً بمنعه من دخول الأراضي السعودية أو الكويتية. ولقد مارست الكنيسة أيضاً دورها في عالمنا العربي فعام 2005 قامت كل من لبنان والأردن بمنع رواية شيفرة دافنشي لدان براون بعد أيام من بدء توزيعها في كلا البلدين وبعد أن اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية مسيئة في حقها. ومنعت المغرب كتاباً مثل "صديقي الملك" (2002) لجيل بيرو بعد أن ادعت الحكومة المغربية أنه يتبلى عليها في اختلاقه لقصص اعتقالات وقتل وحشية وزجها في ظهر الحكومة المغربية، وفلسطين ليست ببعيدة عمّا تزاوله الدول العربية من سحب للكتب التي لا تتفق مع أهواء لجنتها، فكتاب "قول يا طير"* والذي احتوى على قصص من التراث الفلسطيني أُمر بإتلافه لاحتوائه على ألفاظ خادشة للحياء إضافة لتشجعيه الأطفال على الغش والخداع، وهي السياسة نفسها التي كانت تمارسها أوروبا على الكتب خلال القرن التاسع عشر حينما مُنع ديوان "أزرها الشر" لبولدير لخدشه الحياء العام للمجتمع إضافة للخوف من أن يقع في أيدي المراهقين.

لا تكتفي الدول العربية بمنع الكتب أو سحبها وإنما يصل هذا الأمر إلى التطاول بتعسف على دور النشر في معارض الكتب. ففي السادس من هذا الشهر وفي دجى الليل قامت وزارة الثقافة والإعلام السعودية بإزالة جناح الشبكة العربية للأبحاث والنشر من معرض الرياض الدولي للكتاب بحجة احتوائه على كتب تغذّي الإرهاب وتفسد العقول بتهديدها لأمن الدولة.

تحاول الدول العربية أن تمارس دوراً رقابياً مسيئاً في حقنا نحن القُراء في إلزام نفسها بتحديد ما يجب علينا أن نقرأه وما لا يجب أن نقرأه مساهمة في خلق هوَّة واسعة بينها وبين شعوبها. ففي الوقت الذي لا نزال نعيش فيهِ في عصر مظلم تُمنع فيه الكتب لأن عنوانها فقط احتوى على كلمة لا تتآلف مع هوى المراقب، كانت أمريكا قد انتهت من هذه الحقبة المظلمة عام 1963.
يبدو أننا سنُعشش طويلاً في طيَّات أعوامٍ مظلمة إلى حين ثورة تُحرر الفكر العربي.

*أخرج وزير التربية والتعليم الأسبق د. ناصر الدين الشاعر فيما بعد بياناً ذكر فيه أن تعميم إتلاف الكتاب لم يخرج من مكتبه وأعيد الكتاب من جديد للمكتبات المدرسية.

ثناء

الأربعاء، 5 مارس، 2014

عمر – هاني أبو أسعد | Omar – Hani Abu Assad


يروي الفيلم الطويل عمر، الحاصل على جائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي 2013 والمرشح للأوسكار في دورته السادسة والثمانين عن فئة الأفلام الأجنبية، قصة خباز شاب يتسلقُ الجدار العازل يومياً للانتقال إلى الجانب الآخر من فلسطين المحتلة كي يرى حبيبته ناديا. يخفق عمر "آدم بكري" في إحدى المرات في التسلل من الجنود الإسرائيلين فيجعلونه مثاراً للسخرية حال وقوعه في أيديهم.

 يُخطط عمر برفقة صديقيه طارق وأمجد لعملية "حوَّارة" التي توقع جندياً واحداً فتبدأ قوات الاحتلال بتمشيط المنطقة بحثاً عن قاتل الجندي مما يوقع عمر في الأسر. تحاول المخابرات استدراجه عن طريق "عصافير السجن" لكي يتحول لعميل ويبدأ العمل معهم كي يكشف لهم عن مكان قاتل الجندي.

قد يكون الجدار استُخدم بطريقة رمزية في الفيلم؛ فالجدار في واقعه لا يفصل بين أرض وأخرى فقط، بل يخفي في نصفه الآخر بقايا عائلة، نصف وطن، وقطعة ناقصة في القلب. لكن ما تبقى من الفيلم لا يعكس فلسطين بواقعيتها ولا يصف حقيقة الصراع القائم فيها بشكله الحقيقي؛ فبدل أن يعمل "أبو أسعد" على تعرية كل ما يحدث داخل التنظيمات أو في سجون الاحتلال ويخرجه بصورته الحقيقية عمل على تغليفه بورقة حلاوة كي ننبهر بهذه الرومانسية الحالمة.

عالج الفيلم عدَّة مواضيع كالعملاء و الخيانة، خلافات المنتسبين للتنظيمات والمقاومة إضافة للحب. لكن السيناريو أخفق في أن يضعها في قالبها الواقعي فجاءت مملة وسطحية جداً لا تنم إلا عن جهل تام في حيثيات ما يجري خلف القضبان أو داخل صفوف المقاومة الفلسطينية. فتدريبات المنظمات الفلسطينية لا تتم بهذه الطريقة المبالغ في إخراجها من جوهرها لتبدو ملائكية أكثر من اللازم كأن يتدرب المقاومون في وضح النهار على فرشة مهترئة ثم يبدؤون بالعزف والغناء ويختمون يومهم بقبلة أو رسالة حب.

خيَّم الصمت على أغلب مشاهد الفيلم وافتقرت الحوارات للثراء؛ فقد بدأ الفيلم بطيئاً جداً كلوحة صامتة تشبه مسلسل كرتون تتجمد فيه الشخصيات حينما تشرع شخصية ما بالحديث؛ فلم يضج الممثلون بالحياة البتة وقد يعود هذا لقلة الخبرة لديهم ذلك أن فيلم عمر يعد الفيلم الأول لأغلبهم.

قد يكون الحدث هو أحد ركائز الفيلم الجيد لكن الحدث لا يكتمل دون أن يُعزز بحوارات غنيَّة تضفي عليه الحياة. فأغلب الحوارات في الفيلم كانت قصيرة وضعيفة لا تنم عن إدراك واسع بالواقع الفلسطيني للمقاوم أو للتنظيمات الفلسطينية على وجه الخصوص فلم يتطرق الأبطال لأية أحاديث سياسية على سبيل المثال أو لأحداث تخص القضايا التي من المفترض أنهم يؤمنون بها كمقاومين أو أسرى بل كانت أحاديثاً مبتورة وخالية من أي شكل من أشكال الحقيقة.


أظن أن العالم يجامل ويُقدِّس كل ما هو فلسطيني أكثر من اللازم.

ثناء 

الثلاثاء، 4 فبراير، 2014

آيات الأخرس في عرسها الأخير


تلم شعرها في كعكة، تعقده جيداً بشريطة حمراء لامعة كي تزهو؛ يجب أن تراها عائلتها في أجمل حلة كما ودَّعتهم قبل اثني عشر عاماً حينما لفت زناراً من المتفجرات حول خصرها وقدَّمت نفسها ثأراً لكل أمنية فرّت للجنَّة.

تدربت آيات طوال الأعوام الفائتة على الهيئة التي يجب أن تلقى فيها أهلها: " ستكون هناك أوراق تقليدية يجب أن يفرغوا منها في البداية. عليَّ أن لا أفكر بالأمر كي لا أغبّر فرحتي. سينفضون الأتربة التي غطّت الرقم الذي حَمَله قبري. سيحملونني في نعش خشبي إلى أقرب نقطة في فلسطين ثم ينقلونني إلى بيت جالا. أحفظ الطريق الممتد كيَدِ حالم يَمُطّ يده في حلم واعٍ؛ لم أكن ميتة بعد حينما أَسَروني في غور الأردن وختموني برقم مكّون من ثلاث خانات، بل أبصرت كل شيء بعينين واسعتين.

لم أعرف من جاورني في مقبرة الأرقام، لكنني أسمع الكثير من الهمس مساءً. غنّى أحدهم البارحة للوطن، شيءٌ ما صدح مثل طنبور وأخذ صوته يرن عالياً في أذني، لم أسمع بهذه الأغنية من قبل، من الواضح أنها وُلدت في حنجرة ذهبية من بعدي. حاولت ولأيَّام طويلة أن أفتح معهُ حواراً سياسياً متخيلاً؛ أعني أن نثرثر كصديقين ونأوِّل ما يجري على أرض الواقع، فلا عصافير في المقبرة تحمل لنا الأخبار، والثقب الذي أحدثته في القبر كي أتلصص على أخبار السماء طمرهُ أحد الحراس. كل ما كان لدينا في هذا الفضاء الشاسع لا يتجاوز الحر الشديد والشوك اليابس الذي رشقته فرشاة رسام مغمور على لوحة بشعة. لم يُبد الشهيد الذي في جواري أي تجاوب معي لكنَّه ما انفك يُغني لحيفا طيلة السنوات الماضية.

في الدقيقة التي يصل فيها نعشي إلى أول ذرة تراب من الوطن عليّ أن أتماسك جيداً، سأقبض على دمعي وأسحقه. أنا لا أبكي في حب الوطن. قد أطلق زغرودة بجناحين تحمل قُبلة لخديّ أمي وشادي؛ واحدة من تلك اللواتي خبأتهن لحين زفافي من شادي الذي حاولتُ أن أفصح لهُ أنني سأنتظره على باب الجنّة كي أضمه لقلبي. شيء ما منعني من إخباره برحيلي رغم أننا عقدنا خنصرينا وعداً كي ننجب درزينة أولاد سُمر بشوارب ثخينة ولحى مرتبة، يتلثمون بالكوفية ويلبسون أحزمة من المتفجرات لإبادة الدولة العبرية.

ستمد والدتي يدها إلى النعش، ستحاول نبشي، إخراجي إلى الحياة من جديد، ستزرع ياسيمينة في كفي وتنمو كي تصل حدّ السماء وتورق بالحرية. كم كنتِ قويةً حينما حاورت أم راشيل، كاد قلبي أن ينفطر حزناً و وددت لو قُدر لي لخرجت من قوقعتي هذه وطبعتُ قبلاتٍ طويلة على قدميكِ. كُنت أراكِ من الثقب الذي أحدثتُه كيف صرختِ بكل قوة وظّلت دمعتكِ واقفة في مقلتك لا تميل أو تنكسر.

سيكون والدي بالقرب، سيتحسس يدي الباردتين، لن أنظر في وجهه حتّى لا تنفرط الدمعة التي ترقرقت في مقلتيه؛ أخجل من دمعك يا والدي. سيلقي إخوتي وسمر، رفيقة وعدي، النظرة الأخيرة علي. ستدس سمر في قلبي أغنية عن الحرية، ستُدرك ابتسامتي ويزهر النور في صدرها.


يبرز جناحاي خلف ظهري، أعدل هندامي، أتلو النشيد الوطني، صوت أمي يجيء من البعيد ... إنه الوطن! "

ثناء
Koofiia@gmail.com

الاثنين، 16 سبتمبر، 2013

5 Broken Cameras - Emad Burnat & Guy Davidi


" قررت أصور مشان أرجّع ذكرياتي" هكذا يفتتح عماد برناط فيلمه عن أصدقائه الخمسة، كاميراته، ليروي فيها قصة مقاومة قريته بلعين ضد الجدار العازل والاحتلال ممثلة بثلاثة أبطال: جبريل، طفله الذي ولد مع أول كاميرا امتلكها، باسم أبو رحمة، والملقب بالفيل، وأديب.

          امتلك عماد كاميرته الأولى بعد أن جاء طفله الأخير، جبريل، لكنه وككل فلسطيني يُكنِّي موعد خروج أطفاله للعالم بتسميات مرتبطة بوجه من أوجه المقاومة. فطفله الأول جاء بعد أمل أوسلو، طفله الثاني جاء بعد أن تمكنت السُلطة وفردت أجنحتها على كل من الضفة الغربية وغزة، بينما طفله الثالث جاء مع بداية الانتفاضة الثانية، والأخير جبريل جاء مع بدء إسرائيل في بناء الجدار العازل الذي يفصل بينها وبين الضفة الغربية.

          قضم الجدار العازل أكثر من 50% من أراضي قرية بلعين، لكن أهل بلعين ما انفكوا عن الخروج في مظاهرات سلمية من أجل استعادة أراضيهم المنهوبة. ولم تخلو مظاهراتهم من الرمزية، أو استخدام أساليبَ للنكاية بالعدو؛ ففي كل مرة كان المتظاهرون في بلعين يفاجئون الجيش بإصرارهم الكبير على رفض مصادرة الأراضي ومحاولاتهم المستميتة بإرجاع الأراضي المسلوبة. لكن ردة فعل الجيش في كل مرة تزداد حدّتها، فتارة يحرقون أشجار الزيتون، وفي أخرى يقومون فيها باعتقال الأطفال ليلاً أو الهجوم بشكل وحشي على المتظاهرين.  وبعد أعوام طويلة من المظاهرات صدر قرار من المحكمة العليا يأمر بتفكيك جزء من الجدار العازل، وخرجت الاحتفالات في كل أنحاء بلعين؛ غنت النسوة، دبك الشباب، وخرجت السيارات تجوب الشوارع معلنة النصر، إلا أن قرار المحكمة العليا لم يأخذ حيز التنفيذ إلا بعد سنة كاملة راح فيها شهداء كثر.

          جبريل طفل فلسطيني يمثل الشريحة التي ولدت خلال الانتفاضة الثانية أبان فترة بناء الجدار العازل. شاهدنا وعلى مدار أكثر من خمسة أعوام كيف استفاق جبريل من طفولته سريعاً. كيف علّمه والده أن الخوف ليس سوى أكذوبة علينا أن نتغلب عليها "تخافش" يطلقها عماد بصوتٍ عالٍ كلما مرّت دورية للجيش. جبريل بطبيعة الحال لم يخف يوماً من الجيش، كان يقول لأمه مراراً حينما يعود من المظاهرة التي يكون فيها برفقة والده أن الجيش يرمي الشباب بالرصاص والقنابل المسيلة للدموع ولكنه لم يخف. حينما كان يطلب الجيش من السكان أن لا يخرجوا في مظاهرة يوم الجمعة كانت زوجة عماد تخبر أطفالها أن كل ما يقوله جيش الاحتلال هو هراء لأنهم يعرفون أن الأرض لهم. في رأس جبريل تدور صراعات وأسئلة كثيرة : لماذا لا تبعط الجيش يا والدي فدية لل"فيل"؟ لماذا "طخ" الجيش الفيل؟ ولماذا استباحوا أرضنا؟ سيكبر جبريل وسيعرف أنه مثل غيره من الأطفال الفلسطينيين لم يعش طفولته ككل أطفال العالم بسلام، وإنما خلق رجلاً دفعة واحدة. حينما كنتُ في الابتدائية، أعلنت التربية عن مسابقة في التعبير عنوانها " متى أدركت أنك لم تكن طفلاً؟" وكنت أعرف وموقنة تماماً أننا لم نكن يوماً أطفالاً، ولم نعرف ماهي الطفولة، لأننا خلقنا رجالاً كي نعيش كل هذه المقاومة.

          برناط، الفلاح الذي لم يحلم مرَّة في حياته أن يخرج فيلماً ولا يبدو أنه قد حصل على قسط وفير من التعليم، استطاع بكل ألم وبساطة وسهولة أن يحكي قصة فيلمه التي لن تنتهي، وأجبر العالم أن يستفيق لواقع لم تعد تذيعه نشرات الأخبار.


          استطاع فيلم عماد أن يطرق باب الخزان. طرقه وعلا صوته بين العالم الأجمع، فهناك حق لنا يجب أن يعود. هذا فيلم يستحق أن يكون هدية لكل من لا يعرف شيئاً عن فلسطين.

ثناء

الأحد، 18 أغسطس، 2013

حينما كان للشوارع أسماء – رندة عبد الفتاح


           حياة، فتاة فلسطينية مليئة بالحياة، بالحب، بالألم، ترافق سامي، الصبي المسيحي الذي توفيت والدته واعتُقل والدهُ فعاش في كنف عمه وزوجته، تؤنبها والدتها على اللعب مع الأولاد، أو مع الصبي المسيحي خاصة لأنها "بنت" والبنت ستكبر ويجب أن لا ترافق الأولاد، لكن حياة لا تكترث، هي صديقة سامي الآن وهذا هو المهم.

            لحياة جدّة هُجرت من منزلها في القدس لكنها لا تزال تحلم بالعودة، كأي فلسطيني ترك قريته أو منزله ويتمنى أن لو يعود إليه. تقرر حياة برفقة صديقها سامي، الشغوف بكرة القدم وإيطاليا، أن يدبرا رحلة للقدس ترى فيها منزلهم والقدس وتحضر حفنة من تراب القدس لجدتها. يخطط الصبيان بشقاوة وتنجح خطتهما.

            الرواية، كعمل أدبي خُصص لفئة عمرية معينة، يعتبر عملاً جيداً جداً. كتب بجمال وحب، لكن الكاتبة أخطأت كثيراً حينما أرادت أن تخصص كتاباً عن وطنها الأم "فلسطين" ربما كرد للجميل، كتعبير عن الحب، أو كي تعرّف العالم بوطنها؛ فالكاتبة تعيش في بقعة بعيدة "أستراليا" يدرك فيها العالم إسرائيل ويسمعون بها على عكس فلسطين. رندة عبد الفتاح كتبت عن فلسطين بعين السائحة ولم تُوفق بسردٍ يُشعرك أن ابن البلد هو من كتبه، وعلى الأغلب أنه وخلال إتمامها لهذا الكتاب سافرت إلى فلسطين واستعانت بجهات معينة كي تزودها بحكايات وقصص صممت أن تدرجها في روايتها كي تبدو وكأنها رواية حقيقية خرجت من قلب الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

            العائلة التي تحدثت عنها رندة هي عائلة منفتحة، فجيهان البنت الكبرى غير محجبة، لكن الأم عملت على توبيخ ابنتها حينما أرادت أن تذهب مع خطيبها لرؤية الصالة للعرس وأصرت أن تذهب هي و والدها معها بحجة أن كتب الكتاب لا يُعتبر زواجاً بالنسبة للمجتمع الفلسطيني، وهذا غير صحيح أبداً ففي فلسطين لا تُمنع العروس من رؤية خطيبها أو الجلوس أو الخروج معه بمفردها وإن حدث هذا فهو يكون في عائلات متحفظة جداً لا متحررة. والخطبة في عُرفنا الفلسطيني تكون بعد العقد "كتب الكتاب".

            تحدثت رندة عن تبرعات للمقاومين موجودة عند المساجد، ولم توفق رندة في هذا أبداً فالتبرعات لا تتم بهذا الانفتاح في الضفة الغربية، كما أنها أكدت في أكثر من سياق على رفض الفلسطينيين للعمليات الاستشهادية ويبدو أنها لم تلمس مدى ابتهاج غالبية الفلسطينيين المقيمين فيها بأي عملية استشهادية تحدث في إسرائيل.

            كما أنها وفي أكثر من سياق أيضاً "فلسفت" كثيراً دور الطفلين. فسامي يرى أن المقاومة تنتهي إما بالموت أو بالحبس فقلّما يشعر أن والده بطل، وحياة تتأمل كثيراً لماذا لا توخد مخيمات تجمع الأطفال الفلسطينيين والاسرائيلين معاً. لكن الطفل الفلسطيني أبسط من هذا بكثير، ويرى والده بطلاً ومقاوماً ويحلم كثيراً أن يكون مثله. ولا يفكر الطفل الفلسطيني برفاهية قد تجمعه مع قرينه الأسرائيلي، بل على العكس ربما يفكر لماذا يعيش الطفل الإسرائيلي بأمان بينما لا أعيش أنا بأمان.

            وفي مغالطة كبيرة وقعت فيها الكتابة، ذكرت أن لفظ "زلمة" يستعمله كبار السن وليس الأطفال أو من هم أصغر عمراً. لكن "زلمة" يستعمله كل الفلسطينيين على اختلاف أعمارهم.

            وقع المترجمان أيضاً بعدّة أخطاء، كاستعمال لفظ "خمار" لخرقة الرأس التي تستعملها الجدّة، أو استخدام أسماء مغلوطة لبعض المناطق فاللد تُرجمت ب "لدّة" وكان الأفضل أن يتم الاستعانة بمترجمين فلسطينيين أو بالبحث بشكل أفضل عن أسماء المناطق الفلسطينية، وكنت فضلت لو تُرجمت حوارات الجدة بالعامية بدلاً من العربية الفصحى لإنها بدت متكلفة جداً.


            أن يكتب شخص ما عن فلسطين وهو لم يعايش أهلها، أو لم يرها، أو لا يعرف عنها سوى ما تقوله وسائل الإعلام هو عمل إجرامي، لأنها يُخرج كتاباً لا يمت لفلسطين بأي شيء بل يخرجها من واقعيتها ويجعل النص خيالاً علمياً وضرباً من السذاجة.

ثناء

الأربعاء، 24 أبريل، 2013

في الحديث عن البوكر للرواية العربية 2013 – ساق البامبو



توج البارحة في أبوظبي الكاتب والروائي الكويتي سعود السنعوسي بجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2013 عن روايته ساق البامبو. وقد رشح للجائزة ضمن القائمة القصيرة كل من إبراهيم عيسى عن روايته مولانا، جنى الحسن عن روايتها أنا، هي والأخريات، حسين الواد عن روايته سعادته السيد الوزير، محمد العلوان عن روايته القندس، وسنان أنطون عن روايته يا مريم.

تَقدم هذا العام لجائزة البوكر للرواية العربية 133 رواية عربية كتبت خلال العام المنصرم. ولا أتصور أن أياً منا يملك خليفة واضحة عن المعايير التي اعتمدتها اللجنة لاختيار الروايات المرشحة للجائزة القصيرة سوى أن كل منها من قٌطر عربي مختلف.

يبدو أن لجنة هذا العام، ولنقل مثل كل عام، تنتقي أسوأ ما في القائمة الطويلة كي يندرج تحت القائمة القصيرة، وهم بظنهم أن في اختيارهم لكُتاب من أقاليم مختلفة سيجعل الخيار عادلاً، أو أن باختيارهم لكتاب لا زال قلمهم وليد المهد سيقومون بنقلة نوعية في الرواية ال
عربية.
احتوت القائمة الطويلة على روايات عربية نفخر بكُتابها ولكن أيَّاً منها لم يكن ضمن القائمة القصيرة، وللغرابة كانت رواية جنى الحسن إحدى الروايات التي سرقت مقعدها في القائمة القصيرة رغم أنها رواية ركيكة الفكرة والأسلوب، ويبدو أن الواسطة هنا لعبت دورها، وتفردت كذلك رواية القندس للعلوان بمقعد آخر وهي شكل آخر من أشكال الملل الروائي الذي لا زال العلوان يكرر نفسه فيه بعد أن فرغ جيبه.
         
        كنت قد توقعت ، وكمعظم من قراء الروايات المرشحة للبوكر، أن تحظى ساق البامبو بالبوكر لهذا العام بين بقية الروايات الأخرى التي إما كانت مواضيعها مكررة أو كانت لا ترقى لأن تكون ضمن أفضل الروايات العربية.
    
      استطاع الروائي في ساق البامبو أن يضحك علينا جميعاً، فجميعنا ظن في البداية أن الرواية قد تُرجمت فعلاً عن الفلبينية، وقد سمح هذا الفعل للكاتب في أن يجعلنا نغفر له الأخطاء الفنية التي كان يقع بها إلى حين فرغنا من الرواية وأدركنا الخدعة التي قام بها. لا أخفي أن ما قام به كان فعلاً ذكياً جداً إلا أنَّه لم يبرر لي – على الأقل – أن تتربع رواياته على عرش الروايات العربية.

          في روايته للسنعوسي، أجاد اختيار فكرته التي لم يطرق بابها كُتاب الخليج بهذه القسوة والقوة من قبل؛ فتحدث عن المشاعر التي تحيط بالأطفال الذين ينتجون عن الزواج من العاملات الآسيويات – الخادمات – وتطرق كذلك لبعض المواضيع التي تعد من المحرمات في المجتمع الكويتي كالبدون، وعمل على وصف المجتمع الخليجي والكويتي على وجه الخصوص بشكل دقيق وجيد، وقد أبدى الكاتب بالفعل جدية في التعامل مع هذا العمل. إلا أن الكاتب لم يوفق في أمور كثيرة وكان لديه العديد من الإخفاقات في بناء هذه الرواية.

          لم تكن لغة الكاتب في الرواية قوية، وقد كانت روايته مليئة بالحشو الذي لا داعي له والذي كان بمقدوره أن يقوم باختصاره أكثر؛ فكثير من الفصول كانت بلا داعٍ. وقد حاول الكاتب أن يحشو كل معرفته عن الفلبين بهذه الرواية حتى يقوم بإقناعنا أنه يلم بشكل تام بالفلبين وثقافتها وهو ما لم يكن محموداً وبدا مزعجاً.

         لم يكن تطور الشخصيات، وخصوصاً الشخصية الرئيسية، موفقاً. فمن طفل جاهل وغير متعلم، استطاع عيسى أن يصير حكيماً، فاهماً لأمور دينه، منكباً على البحث عن الحقيقة ضمن فترة زمنية لم ندرك خلالها كيف حدث كل هذا. إضافة لهذا فلم يوفق الكاتب في تصوير التخبط الديني الذي أصاب الشخصية الرئيسية ولم يكن مقنعاً.

          في فصول كثيرة سعى الكاتب لإظهار أن البطل مال قلبه للدين الإسلامي وصار يبحث عنه، وهذا ما جعل الرواية تبدو وكأنها قصة من قصص الأطفال التي تُدرس في حصص التربية الإسلامية. فكان الأحرى به أن يجعها إما رواية دينية تتحدث بشكل واسع عن هذا الأمر رغم أنه وكما أسلفت لم يكن موفقاً في وصف هذا التخبط الديني، وإما كان من الأفضل أن يكتفي بفصل يصف فيه هذا التخبط بحذاقة وتمكُّن.
  
        تترك الرواية في النفس أثراً قوياً فالطرح كان جديداً لكنه لم يكن مميزاً. فأنت حينما تقرأ رواية مرشحة للبوكر تخال أنها رواية ممتازة، بل وممتازة جداً كي تكون ضمن أجود ما كتبه العرب، ولكنك تُفاجأ حينما تدرك أن الرواية دون المستوى.

         يبدو أن الرواية العربية ستظل متأخرة في تطورها ومركونة على جدول أعمال الزمن كي يفيق يوماً ويُصيِّر منها حدثاً كبيراً، وإلى حينه فسيظل القُراء العرب مبهورين بقوة ما يكتبه الآخرون من العالم، غير مبالين بما يُنشر عربياً حتى لا تتضرر ذائقتهم.

          أتصور أن تُرشح رواية مستغانمي، الأسود يليق بك، للعام المقبل ضمن قائمة الروايات المرشحة للبوكر، ولن أستغرب فوزها أيضاً في جائزة معاييرها مع الأسف " مضروبة " . 

ثناء

الاثنين، 8 أبريل، 2013

التضخيم الإعلامي : عملية الاختراق كمثال




في عام 2009 قفز شبح انفلونزا الخنازير إلى العلن وأحدث بلبة إعلامية ضخمة، فقد صوره الإعلام على أنه المرض الذي سينهي البشرية. وإن عدنا لنفس العام وألقينا نظرة سريعة على الإحصائيات فسنجد أن انفلونزا الخناير قد أدت لمقتل ما يقارب الـ 14,000 شخص على مستوى العالم خلال سنة كاملة حسب تقديرات ال ECDC، على النقيض يقتُل الجوع يومياً أكثر عن 20,000 حالة مما يجعل عدد المتوفيين منه سنوياً يُقدر بالملايين. وإن عرجنا سريعاً على أسباب هذا التضخيم الإعلامي فسنجد أن شركات الأدوية كانت الرابح الأكبر من هذه البلبلة الإعلامية الضخمة. هذا ما يُطلق عليه التضخيم والتعتيم الإعلامي.

لمن هم ليسوا في قلب الحدث تظل الأخبار الواردة عبر الشبكات الاجتماعية هي أهم ما يحصلون عليه في وقت صارت نشرة الأخبار فيه تدلي بأخبار قديمة، وفي ظل هذا الانفتاح العنكبوتي فإن البحث عن صحة الخبر يعد أمراً بالغ الصعوبة؛ فالكثير من الأخبار المنشورة لا أساس لها من الصحة، والكثير منها مضخم بشكل مفجع وغريب. فحينما تقرأ أخبار سوريا على بعض الشبكات الاجتماعية فأنت تظن أن بشار قد دُكَّ في حصنه ولم تتبق سوى أيام قليلة على رحيله، رغم أن الحقيقة هي أبشع من هذا بكثير.

مئات الصور المعروضة على الشبكات الاجتماعية بشأن الأحداث العربية أو العالمية لا تمت للحدث بأي صلة، منها على سبيل المثال الصور التي انتشرت بالتزامن مع أحداث بورما. دعا ناشرو هذه الصور أنها تعود لمسلمي بورما في حين أن الصور لا تعود لبورما لا من بعيد ولا من قريب. أذكر منها هذه الصورة التي تعود لزلزال هاييتي لمصور وكالة الأنباء الفرنسية Olivier Laban-Mattei والتي نسبها رواد الشبكات الاجتماعية، هي وغيرها، لمسلمي بروما. وهذا لا يُقلل بطبيعة الحال من واقع ما يعاينه مسلمو بورما الذي لم يكن وليد منتصف عام 2012 فقط.

بدأت البارحة الأخبار عن عمليات الاختراق لمواقع الصهاينة تهطل من الشبكات الاجتماعية. ومن يطلع عليها يظن أن البُنى التحتية لشبكات الانترنت قد دُمرت عن بكرة أبيها في تل الربيع إلا أن الواقع ليس هذا أبداً، فالأعطال كانت طفيفة ومعظم المواقع عادت للعمل بعد فترة قصيرة. وقد تحدث آخرون عن خسائر بالمليارات أصابت إسرائيل رغم أن هذا تهويل ليس في محله أبداً.

وكمثال على التضخيم الإعلامي الذي نشهده لنفترض أن الخبر الصحيح كان: اخترق الهكرز موقع الكنيست أو حساب فلان الفلاني، فيكون الخبر المُضخم: اخترق الهكرز مئات آلاف المواقع منها موقع وزارة الدفاع الذي مكنهم من التحكم في الصواريخ. أو شيء من قبيل: ستحتاج إسرائيل إلى عقود لإعادة بناء البنية التحتية لشبكات الانترنت فيها. وهذه أخبار لا صحة لها رغم أن العديد من الصفحات على الشبكة العنكبوتية ،والتي تديرها شبكات إخبارية، هي من أوردت أخباراً كهذه لأنها في الأساس لم تكن في قلب الحدث وإنما اعتمدت على ما تم نشره على الشبكة العنكبوتية لسببين، الأول حتّى تكون سبّاقة في الحدث والثاني كي تكون جزءاً من هذا التضخيم العظيم. وكي نكون في السليم فنعم لقد حصل اختراق ولكن ليس كما وصفه الإعلام.

لا أحد ينكر أن هناك محاولات أو نوعاً جديداً من المقاومة قد بدأ بالتشكل ولكن أخباراً كهذه وإن بدت للبعض مشجعة جداً إلا أنها تصب في ذات الموضوع، التضخيم الإعلامي الذي سيأكل رؤوسنا ويجعلنا أضحوكة.

ثناء

السبت، 6 أبريل، 2013

القراءة الإلكترونية



ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الأجهزة التي تدعم القراءة الإلكترونية، بدأت بها شركة أمازون حينما كشفت عن جهازها كيندل ليلحقها بعد ذلك الأجهزة اللوحية كالآي باد والذي تفوق على الكيندل في أنه لا يعد قارئاً الكترونياً فحسب وإنما يستخدم إلى أبعد من هذا بكثير.

منذ فترة ليست بالبعيدة اتجهت بعض دور النشر العربية إلى إنشاء تطبيقات مدعومة على الأجهزة اللوحية توفر من خلالها كتبها إلكترونياً مقابل مبالغ زهيدة، وقامت العديد من الصحف والمجلات بإنشاء تطبيقات خاصة بها – في أغلبها مجانية – تقوم بتوفير طبعاتها اليومية أو الأسبوعية على الأجهزة اللوحية مما سيساهم بدوره في الحد من المطبوعات الورقية مستقبلاً.

كنت من أولئك الأشخاص الذين يرفضون القراءة الإلكترونية رفضاً قاطعاً؛ أن تقرأ كتاباً على شاشة حاسوب ليس أمراً مربكاً وحسب وإنما مرهق ومزعج جداً. إلا أن ثورة التكنلوجيا في إنتاج أجيال من الأجهزة اللوحية غيرت القضية بالنسبة لي.

بدأت تجربتي مع القراءة الالكترونية قبل أكثر من سنة حينما بدأت بقراءة الصحف والمجلات على الجهاز اللوحي الذي أملكه ولكنها لم تتطور أكثر من ذلك إلا بعد سفري لمدة طويلة وحاجتي لقراءة بعض الكتب الغير متوفرة في محيطي. وعلى الرغم من عدم اقتناعي بالقراءة الالكترونية إلا أنها كانت مريحة جداً، فلم أتصور أن تبدو القراءة من خلال جهاز لوحي سهلة لهذا الحد؛ فهو لا يرهق العين كالحاسوب، إضافة لسهولة حمله والتنقل به وإمكانية إضافة الملاحظات على الكتب التي يدعمها الجهاز، مع الملاحظة هنا أن الكتب المجانية المصورة لا تتوفر فيها هذه الخاصية، بمعنى أن الكتب المصورة لا تُعامل على أنها كتب الكترونية سهلة الاستخدام كأن يكون بإمكانك تظليل جمل معينة أو كتابة ملاحظات على الهامش أو حفظ صفحات معينة تريد العودة إليها فيما بعد، ولكن لا يزال بإمكانك كتابة بعض الملاحظات بشكل بسيط عن طريق الآكروبات.

أفادني القارئ الالكتروني بقراءة العديد من الكتب التي لا أستطيع شرائها أو لا أفكر بشرائها ولكنني أردت قراءتها، خصوصاً الكتب السيئة التي تصيب الذائقة بالمرض. سهل لي قراءة الصحف والمجلات خصوصاً و أن قراءتها على شبكة الانترنت صار يبدو مزعجاً مقارنة مع قراءتها على أحد الأجهزة اللوحية التي تعرضها بطريقة جميلة وسهلة.

وجود القارئ الإلكتروني لا يعني بالضرورة التخلي عن الكتاب وملمس الورق، بالنسبة لي على الأقل، فكل الكتب التي قمت بقراءتها وأعجبتني سأعمل على شرائها فيما بعد كي أضمها لمكتبتي. لكنه بلا شك يمثل ثورة ضخمة أبطالها الجيل القادم؛ فأتصور أن أطفالنا مستقبلاً سيملكون مكتبة إلكترونية تضم كتب دراستهم أو التي يقرؤونها خارج نطاق الدراسة، ولن يكونوا بحاجة للكتاب إلا في حالات قليلة، وهو ما بدأت بعض الدول بالفعل بالعمل على دراسته بغية تطبيقه. وأتصور أن طباعة الكتب والصحف ستتوقف تماماً في وقت لاحق بعد أن تتمكن الأجهزة اللوحية من أن تحل محلها بشكل كامل. سيأخذ هذا أكثر من دهر ولكنه سيحدث في نهاية المطاف شئنا أم أبينا، وسيصبح الكتاب مجرد ذكرى في القصص المحكية.

ثناء


الجمعة، 25 يناير، 2013

وداعاً دبي

http://ilovemyles.com/wp-content/uploads/2012/03/tumblr_lzliqdAOW71qap7hto1_1280.jpg


أغادر دبي ولكن هذه المرَّة لرحلة لا رجعة فيها . كُنت قد توقعت سابقاً ،وبحُكم أنني فتاة، أنني سأغادرها يوماً ما، إما بالعودة إلى أرض الوطن، فلسطين، أو إلى بقعة مختلفة من العالم أطيرُ فيهَا من غربة إلى غربة أخرى. 

قرار العودة هو خيار، دائماً، مطروح لكل مواطن ترك وطنه بحثاً عن فرصة أفضل في العيش أو في الدراسة وقرار الاستمرار بالغُربة أيضاً مطروح لكل من صار يرى نفسه غريباً في وطنه.

قضيت في دبي بضع سنوات، أكملت تعليمي خلالها ودخلت سوق العمل لأشهر قليلة إلى أن جاءت قضية السفر \ الرحيل. 

دبي مدينة صاخبة، و لم أحب المدن الصاخبة في حياتي أبداً، إلا إن دبي تظل مختلفة بكل شيء فيها؛ تأسرك دبي بروعتها وجمالها، هي مدينة سريعة جداً؛ إن غبت عنها يوماً واحداً لاكتشفت أن الكثير قد فاتك، في تفاصيلها حياة أخرى بعيدة عن كُل البعد عن النظرة الأولى التي تأخذها عنها، فدبي مدينة يراها كُل منّا بعين مختلفة بيد أنَّها مدينة الجميع. 

ستصير دبي، ككل المدن التي زرتها، ثقيلة وغريبة ومكاناً جئت إليه وصنعت فيه حُلُماً سأحكيه لأيامي القادمة.

وداعاً دبي، وداعاً لكل من عرفتهُ فيها.
 

الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

12/12/12




هرع اليوم أكثر عن مئتين شخص إلى المحكمة الشرعية في دبي لوحدها لعقد قرانهم في هذا التاريخ المميز, ولا أملك إحصائية لعدد الولادات التي تمت في هذا اليوم والتي في غالبها كانت قيصرية وباهظة الثمن إلا أنه من المؤكد أنها كانت كثيرة، وقد ذكر أحد المصادر الإخبارية أن إحدى النساء نحجت في ولادة طفلها في الساعة 12 و 12 دقيقة و 12 ثانية.

 أرى من البشع جداً أن يجلس طفل في الابتدائية يتحدث عن " هبل " أمه وأبيه؛ كيف قاما بحجز مسبق لميعاد قدومه كي يكون مميزاً ثم يكتشف أن كل زملائه بالصف قد ولدوا في ذات التاريخ المميز ليتساءل فيما بعد إن ظل ميلادهُ مميزاً أو لا.

لم أشأ أن أكتب تدوينة اليوم، ولكن الجنون الذي يُصيب العالم في التواريخ المميزة غير مبرر، لا أعرف تماماً ماذا يعني حينما تأتيني رسائل معايدة يسألونني فيها ماذا أعددت لليوم، أين سأقيم حفلتي، كيف سأحتفل بعيد ميلادي الذي يصادف يوماً مميزاً كـ 12\12\12 ! و هناك من يُصر أنني لا يجب أن أضيعَ أي دقيقة من يومي، ليس لأنه عيد مولدي بل لأنه صادف تاريخاً مميزاً لن يتكرر.

عموماً، لم أقم بأي شيء مميز اليوم، كان يوماً عادياً رغم أنني كنت قد كتبتُ قائمة أماني لهذا العيد كأن تُغني لي جوقة أطفال تحت أحد شبابيك إسبانيا المليئة بالورود وأن يسرق لي حبيبي نجوماً من السماء بعدد أيام عمري، وبالمناسبة لم تحدث أي منها رغم أنني زرعتها تحت وسادتي ورأيتُ جنية صغيرة تسرقها ليلاً.

ككل عام، لا أتمنى لنفسي سوى عاماً جديداً مليئاً بالحب والسعادة؛ عيد سعيد يا أنا :)
حدث خطأ في هذه الأداة