الثلاثاء، 17 مارس، 2009

مجنُونَة

في صالَة الانتظار. كان يتلعثمُ وهُو يحكي قصتهُ أمامها. في حنجرته نبرةُ خَوفٍ واصبع اتهامٍ. يحُك جبينَهُ، تتوسعُ عيناه ويتذمر كَثيراً وقد كانَ يبكِي بينَما كانت تُراقبُه. هيَ مُنصتَة تماماً لما يَحكي لأّنَها بطبيعَة الحال لن تعرف كيف يستند البشر على بعضهم البعض في الأزَمات. أخذ يُخبرُها عن زوجتهِ التي خانَته. عن أمه التي تركتهُ في صغره. عن أبيه السكير الذي ماتَ في حانَة. عن اخوته الغير مَوجودين . عن خليلَته التي هَربت بعدَما عرفت بحالِهِ المُزريَة. عن ابنه الذي ماتَ في بطن أمه. عن الأشياء الكَثيرة التي التفت حَول عُنقه ودقته. كان يحكي قصة العُمر الطويل الممدُود خارجَ الذاكرَة.

- أخبرني ما لَونُ الشَجرة ؟

صاحَت بصوتٍ هادئٍ مُكورَة فمها على شاكلة دائرة ورافعَة سبابتها في الهَواء. كان الجَوا باردَاً جداً. بينَما كانت تلبَسُ فُستاناً أسوداً من دُون أكمام. بحلقَ بهَا. انتفضَ شعرُه فجأة. توقفت يدُه مَكانها . ظلت عيناهُ جاحظتين. كان مشدُوهاً. وظن أن ما سمعَهُ كان همهمَة من أحدٍ ما مر بالقُرب. فالصالة بها عَددٌ لا بأس به من الأشخاص. وبسُرعة جمع أفكارهُ مرة أخرى في صُندوق صغير في رأسه وعاد يتلُو عليهَا قصة الذاكرَة المشرُوخة. بكى هذه المَرَّة كثيراً. بكى لأنَّهُ وَجدَ من يُسمعُهُ قصةَ الخليقَة، حكايَة القَزم الصغيرِ الذّي هربَ من القصر المُظلمِ لان الجميعَ نبذهُ لقُصره. شعرَ بارتياحٍ كبيرٍ تجاهَها. كانت تسمعُه كما لم يسمَعهُ أحدٌ من قبلُ. أخذت تُمسد بيدهَا على رأسهِ. وتتلفظُ بعبارات مُواساة . أخذت تبكي مَعهُ وتُصيح واعادت نفسَ السُؤال : ما لَون الشجرة ؟

أخذ ينظُر إليهَا من جَديد. ابعدت يدَها عنهُ كالخائفَة. وصرخت بصوتٍ عالي جداً : أنت من سرقَ لون الشجرَة إذاً !

التفتَ الجَميع في الصالَة إليها. وفَجأة ظهرت الشُرطَة ومَعها رجُل أربعيني، اسرعُوا إليهما. سأل الأربعيني : هل كانت تُزعجُك هذه المَجنُونة ؟

هناك 4 تعليقات:

It's me يقول...

وهو كذلك .. عاقل مثلها !

في عالم من المجانين

أو مجنون عكسها .. ! في عالم من العقلاء

..

نفحة جنونية لكِ .. يا كوفية

: )

كوفية يقول...

كلاهُما في عالم واحد :)
أهلاً بك عيون خشنة.

كوثر أبو هاني يقول...

ربما المجانين يسرقون جنون بعضهم,
أحيانا!

أتساءل"ما لون الشجر"
*_^

كوفية يقول...

ما لون الشجر ؟
متأثرة بزياد خداش :d ؟

حدث خطأ في هذه الأداة