الثلاثاء، 13 يناير، 2009

عزيزتي فائزة *

عزيزتي فائزة..

إنني أغيب عنك سنوات ولكنني أعود، أنبع فجأة ، وأنت تقولين لنفسك: ها هو الطفل يعود. كنتِ فيما سبق تغضبين وتحزنين وتقولين إنك تفتقدينني ولكنك استسلمت أخيراً لذلك الطفل الغريب الأطوار دائماً، المغلوب على أمره دائماً، الباحث عن ملجأ دائم..تستطيعين الآن بعد ثلاثين سنة ، أن تطمئني لشيء واحد هو أنني سأظل أعود ، فقد كتب علي كما يبدو أن أظل مهزوماً في أعماقي ، إن الشيء الذي انكسر فيّ حين كنت في العاشرة لم يلتئم ، وقد ظللت دائماً أوفى الناس لشيء اسمه التعاسة وسوء الحظ. وها أنذا أعود مرة أخرى لك ، ربما لأنك بعيدة عني ولأنك الجزيرة التي لم تعد لي ولأنك لا تستطيعين أن تأخذيني معك وفيك ولك..

ما الذي حدث خلال السنين الطويلة الماضية ؟ ما الذي حدث، بالضبط، منذ اقتحمت عليك غرفة العمليات ؟ هل تذكرين ؟ يوم رفعت المشرط في وجه المسكين ولسون ، ذلك الاسكتلندي الطيب الذي كان يجد فيّ ما لم أجده أنا نفسي ، إنه يضحك بلا شك حين يذكر القصة. كنت أنا على حق رغم كل شيء ، وقلت له : ليمت الطفل ، ولكن إذا ماتت هي فستموت معها هنا . ورفضت أن أخرج وظللت مثل مجنون فار مثبتاً ظهري إلى الزاوية وأنظر إليك مضرجة بالدم تحت أصابعه الباردة وحين تنفس الصعداء بعد قرن من الرعب أخذت أبكي ، وسقط المشرط من يدي...ولم أرك إلا بعد أن صار أسامة في الرابعة من عمره..لماذا أذكّرك الآن بهذا الشيء الذي مضى؟ ربما لأنني أشعر كم كنت على حق.. إن الإنسان ليس إلا مخترع ملاجئ ، هكذا كان وهكذا هو وهكذا سيظل ، وكل ما عدا ذلك هراء في هراء، وأقول الآن : كنتُ أحس ملجأي عميقاً داخل تلك الغريزة التي كنتِ تسمينها ، حين كنتُ طفلاً، النبوة، وكنت أحس كم كان فقدانه هولاً تساوت فيه إرادة العيش بشفرة المشرط. إنني لا أنسى حدقتي الدكتور ولسون حين كانت تسبح فيهما تلك الكرتان الزرقاوان ، كان رجلاً قادراً على الفهم من فرط ما شاهد الناس يموتون ببساطة ويتركون وراءهم العالم بملاجئ أقل ، وكان يعرف أنكِ ملجأي .

وها أنذا أعود يا فائزة مثلما كنت أعود إليك طفلاً شقياً مبللاً بمطر يافا الغزير وتستطيعين بنفس الصوت القديم أن تقولي لي: " كنت تسير تحت المزاريب، أنا أعرف كم تبلغ بك الشقاوة.." تحت المزاريب يا فائزة تحت المزاريب..إنني أعطيك رأسي بعد أكثر من عشرين سنة لتجففيه مرة أخرى رغم أنني أحسه مبتلاً من الداخل ، أعطيك رأسي ، أنا الشقي المسكين ، فلم يتبق ثمة شيء إلا يديك..وبالضبط لأنهما على بعد ألف ميل.

ما الذي حدث منذ ولد أسامة عبر ذلك المخاض الصعب الرهيب؟

بالنسبة لي ما تزال دفتا الباب الأبيض تروحان وتجيئان متقاطعتين منذ خرجت منهما..هل تغير أيما شيء ؟ ما الذي حدث؟ أي جنون يملأ هذا العالم؟ هل رأيت الدكتور ولسون مرة أخرى وتحدثتما عن جنوني؟ هل يعرفني أسامة ؟ هل يسمع عني بين الفينة والأخرى ؟ أما أنا فقد حدث لي ذلك الشيء الذي قلت لي مرة أنه وحده سيحطمني ذات يوم : الحب.

لو كنت هنا ، وجلست معنا كما كنت تفعلين منذ زمن ، لنظرت إليّ في لحظة مسترقة وهززت رأسك موافقة. لقد عشت عمري أنتظر أن أرى من رأسك تلك الحركة .حين جلسنا مع جاكلين في بحمدون قبل سبع سنوات انتهزتِ أول فرصة ورفعتِ أمام عيني حاجبيك كأنك تقولين " لا، ليست هي" وراحت جاكلين وراحت منى، وراحت كوكب عبر حاجبيك اللذين كانا دائماً يقولان " لا "..وجاءت هي . قولي لي إنها هي.

أخيراً هذا هو الشيء الذي كنت تنتظرينه يا فائزة وراء ظهري ، دون أن أعرف ..هذا هو الشيء الذي وحده يستطيع أن يحطمني . كم كنتِ صادقة وكم كنتُ غبياً.. أتذكرين يوم جئت إليك أقول إن جاكلين سافرت؟ قلت لي على مائدة الفطور : إن شراستك كلها إنما هي لإخفاء قلب هش ، لا حدود لهشاشته، ذات يوم ستصل أصابع امرأة ما إليه وستطحنه..وإذ تجيء يومها إليّ سأفهمك وحدي!

ها أنذا أجيء فكافئيني بأن تفهميني ، ليس بوسعك أن تنصحي أحداً ، إنني أتمزق وليس بوسعك أن تجدي ، بعد، أذناً واحدة في هذا الجسد الذي كان له آذان، إننا نجيء دائماً متأخرين . متأخرين. متأخرين. أفهمتِ كل شيء الآن يا فائزة؟ متأخرين.

أقف الآن على هذا المرتفع في حياتي وأنظر إليها قاحلة مليئة بالشوك والتوحد وتمتد في برودة الماضي وبرودة المستقبل دونما نهاية..ويبدو أنني أحاول أن أستبدل الوطن بالمرأة ، أعرفت في عمرك كله ما هو أبشع من هذه الصفقة وأكثر منها استحالة؟ ولكن هذا ما يحدث، وأستطيع أن أكشفه بوضوح الآن كأن كل ما حدث لم يكن إلا اقتياداً أعمى إلى هذه النهاية . لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة ، ثم بالعنف ، ثم بالمرأة ، وكان دائماً يعوزني الانتساب الحقيقي ، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح : " لك شيء في هذا العالم فقم" أعرفته؟ وكان الاحتيال يتهاوى، فقد كنت أريد أرضاً ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء ، والآن: كنت أمشي على رقع الجليد تلك ، وليس كل ما كتبته وكل ما قلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة .

مرة أخرى ، ما الذي حدث، ؟ تزوجت فجأة ، أنت لا تعرفين لماذا بالطبع وقد فجأك الخبر مثلما فجأ والدي، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئاً ، لم يكن يستطيع أن يحرمني من ثروته بعد أن حرم منها رغم أنفه ، ولم يكن يستطيع أن يمنعني من ولوج بيته بعد أن امتنعت من تلقاء نفسي ولم يكن ليستطيع استنزال غضب السماء عليّ فلديّ من غضبها ما يفيض عن حاجة رجل واحد .. ولم يكن هو أيضاً يعرف لماذا وكيف، ولكنني كنت أعرف ، كنت أمارس تلك الفضيلة البشرية الوحيدة : كنت أخترع ملجأ.

لقد جاءت آني حين كنت قد شرعت ، مختاراً ومرغماً ، في الانزلاق على هضبة الوحل المغرية والجذابة ، وفي ذات الصباح الذي قررت في مسائه أن أتزوجها كنت على وشك الاتفاق مع امرأة نصف ثرية نصف جميلة ونصف تحبني ونصف شابة على أن نعيش معاً . كانت تلك المرأة نصف الطريق إلى السقوط وأردت أن أجعلها محطتي كي أقبل الرحلة كلها فيما بعد إلى قرار القاع السحيق والمنسيّ . وجاءت آني ذلك اليوم مثلما تجيء رسالة البشرى من مكان قصيّ مجهول فجعلتها ملجأي للفرار في واحدة من ومضات النبوّة التي تبرق في ضمير كل إنسان على ظهر هذه الأرض. أقول لك الآن : كانت فراراً.

كانت يا فائزة بعيدة عني في كل شيء. واحتجت إلى خمس سنوات كبيرة أظل مشغولاً خلالها في ردم الهوة المفتوحة بيننا، وارتكبت مرة أخرى خطأ الاحتيال : فحين عجزت عن ردمها كما ينبغي ردمتها بطفلين.

ولكنني رغم كل شيء ظللت مخلصاً للقيم التي أحترمها والتي أورثني إياها إقطاع جدي المؤمن بالفضائل حين خسر أراضيه ولكنه أصر على كسب أخلاقه ، وكنت أعرف في أعماقي أن الشراع المطوي في أعماقي سيمتلئ برياح الغربة من جديد ولكنني ظللت صامداً ، وبقسوة السكين تخليت عن حياتي السابقة في سبيلها ، كانت وما تزال امرأة رائعة ، ربما الشيء الوحيد في هذا الكون الذي أستطيع برضى لا حدود له ، أن أقدم لها حياتي إذا ما تعرضت لخطر الغياب .

أقول لك ذلك الآن رغم أنك سألتني ذات يوم وكنا وحدنا : هل أنت سعيد معها ؟ فقلت لك حاسماً وصادقاً : لا . إن الحب شيء وعلاقتي بها شيء آخر ، وهي تعرف.

ثم جاءت غادة.

جاءت ؟لا، إن الكلمة الأصح هي : عادت. لقد كانت موجودة دائماً في أعماقي .أنا لا أتحدث عن الفترة التي كنت أراها فيها عابرة في ممرات الجامعة قبل عشر سنوات ، لا. إنني أتحدث عن وجود أكثر تعقيداً من ذلك وأكثر عمقاً . ماذا أقول لك وكيف أشرح لك الأمور؟ دعيني أقول لك كيف: أمس كنت أذوّب شمعة فوق زجاجة، أتلهى بهذه اللعبة التي يكوّن فيها الإنسان شيئاً فوضوياً وغامضاً من زجاجة وقضيب شمع، وكان ذوب الشمع قد كسى جسد الزجاجة بأكمله تقريباً ، وفجأة سقطت نقطة من الشمع الذائب دون إرادة مني وتدحرجت بجنون فوق تلال الشمع المتجمد على سطح الزجاجة واستقرت في ثغرة لم أكن قد لاحظتها من قبل وتجمدت هناك فجعلت ثوب الشمع بأكمله يتماسك من تلقائه.

هذا ما حدث، ولست أجد أي وصف آخر له. ومنذ قابلتها أول مرة عرفت في أعماقي كل الذي سيحدث ، على الأقل من جهتي . ورغم ذلك فقد كنت مثل الذي يدخل إلى حقل من الرمال المتحركة لا يعرف فيما إذا كان عليه أن يعود أو أن يقطع الطريق إلى الأمام .

عمري الآن سبعة شهور، ولن تصدقي كم تغيّرت . أنا نفسي لم أصدق ولا أصدق ، ويبدو أن هناك رجال لا يمكن قتلهم إلا من الداخل.

لقد عذبها الكثيرون في حياتها وهي وحيدة ولا تستطيع أن تردم الهوة بينها وبين العالم إلا بالرجال ، (في الواقع لا أؤمن بهذا. وقد قاله لي هاتف مجهول قبل أسبوع) ألم أردمها أنا بطفلين!

لنحاول كرة أخرى: إنها تحبني وتخشى إذا ما اندفعت نحوي أن أتركها مثلما يحدث في جميع العلاقات السخيفة بين الناس ، وتخشى إذا ما ذهبت في علاقتنا إلى مداها الطبيعي أن نخسر بعضنا . ولكن يا فائزة هذا كلام كتب وأطباء ومدرسي حساب وليس عواطف امرأة أمام رجل يحبها وتحبه..

لنحاول مرة ثالثة : إنها تحبني إلى حد لا تريد فيه أن تقوّض حياتي . ولكن من الذي قال لها أن هروبها لن يفعل؟

يا فائزة. إنني أثق بذكائها ، ربما أكثر مما ينبغي . وأفسر كلامها مثلما يفعل الباحث في المختبر. يخيل لي أحياناً أنها أمام الناس تحاول إذلالي . إن ذلك لا يغضبني ( نعم فقد وصلت إلى هذا الحد!) ولكن لماذا؟ ما الذي يدفع إنساناً ما إلى تمزيق إنسان آخر يحبه بهذه القوة ؟ أمس قالت لي أمام صديق : إن أي رجل في هذا العالم لن يدخل بيتي إلا هو، لأنه أخ ( وكانت تتحدث عن صديقي) لماذا؟ ما هو ذلك الشيء الرهيب الذي يدفع امرأة بأن تقول هذا الكلام للرجل الذي تحبه أمام صديقه؟

لست أدري يا فائزة. ولكنني ليل نهار ، لحظة وراء الأخرى ، أفكر في ذلك كله وأعيش وأتعذب فيه ومن أجله..أحياناً أنظر إلى عينيها وأقول لنفسي: ينبغي أن تكره هذه المرأة التي يروق لها إذلالك على هذه الصورة ، ولكنني لا أستطيع . كنت فيما سبق أستطيع أن أصل إلى قرار في لحظة حين أقول هذا الكلام لنفسي ..أما الآن فأنتِ لن تدركين تعاستي!

إن الدنيا عجيبة ، وكذلك الأقدار . إن يداً وحشية قد خلطت الأشياء في السماء خلطاً رهيباً فجعلت نهايات الأمور بداياتها والبدايات نهايات.. ولكن قولي لي : ماذا يستحق أن نخسره في هذه الحياة العابرة؟ تدركين ما أعني . إننا في نهاية المطاف سنموت.

وأنا لم أكتب لك ذلك كله لأطلب نصيحة، أستطيع الآن أن ألقي محاضرة حول هذا الموضوع ..ولست أدعي أنني أعرف كيف ستنتهي الأمور ، ولكنني ذات يوم سأكون قادراً على أن أقول لنفسي وأنا أودعها أمام باب بيتها دون أن تتيح لي لحظة الاقتراب منها : " لقد ماتت". وعندها سأبكي، وقد أرتكب حماقة، وقد أنكسر لشهر أو شهرين، وسيظل قلبي يقرع كلما أقرأ عنها أو أراها أو أسمع أخبارها مثلما يقرع قلب المرء حين يصادف شبحاً، وأقول لك ما هو أبشع : قد أنزلق وأتحطم ولكنني أبداً أبداً لن أقبل أن أكون صديقاً لها ، أرى بعينيّ المكسورتين رجلاً يثبت أنه يحبها وتحبه. فلن أتحمل هذا الهراء . إنني - كما قلت لك مرة – أفضل الموت عن الأسر.إن أحداً لا يستطيع أن يحبها كما فعلت ، وعلى الأقل من أجل الحقيقة فسأرفض دائماً أن أقبل الزيف.

...الأيام تدور أيتها العزيزة، تدور وتدور مثلما تدور رأسي الآن ، وتحت غبارها التافه يأمل الإنسان أن ينسى . أتذكرين يوم روى لنا والدي المسكين كيف حشا جرح صديقه بغبار العنكبوت جمعه من ثقوب سور عكا ؟ قال لنا يومها أن الغبار أوقف النزيف ..يا لله كم كان يقرأ الغيب!

ربما تسمعين ذات يوم أنني كففت عن حبها ، أقول لك الآن : لا تصدقي. إنني أحبها بطريقة لا يمكن أن تذوي، كتبت لها ما لم أكتبه في حياتي ومعها ومن أجلها تحدّيت العالم والناس ونفسي وتفوقت عليهم جميعاً. إن حباً من هذا المستوى لا تقبله المرأة ولكنه مع الأسف يستطيع رجل ما أن يحمله وهو يعرف هذه الحقيقة. لا فرار ولا ملجأ هذه المرة فلنأمل بمفعول الغبار .

أنت تسألين: ما الذي تريده إذن؟ وأنا لا أعرف . أعرف فقط أنني أريدها . أنا لا أستطيع أن أفهم كيف ترفض المرأة رجلاً تحبه. إن علاقتهما ، إلى أبعد مدى ، تضحي حاجة، وإذا كنت أنا قادراً على اتخاذ قرار رهيب من النوع الذي اتخذته منذ شهرين فكيف تريدين أن أفسر الأمور؟ صحيح أن الجنس ليس أولاً ولكنه موجود..أوه يا عزيزتي ! ليس من السهل بالنسبة لي أن أبني معها علاقة جنسية حتى لو أتيحت لي الفرصة لذلك، أذكر.............................................. .................................................. .............................. إذن ماذا أريد؟ لا أعرف أيتها العزيزة لا أعرف.. إن الحياة معقدة أكثر مما ينبغي لأناس سيعيشون أربعين سنة على الأكثر، والذي أشعره الآن أننا نضيع حياتنا هباء... إن رجولتي لم تذل في حياتها مثلما تذل في كل ليلة أقول لها فيها : نوماً هانئاً...ثم أدير ظهري وأمضي كأنني قطعة خشب لا يسكنها عصب ، وينزف جرح تلك الرجولة المهدورة حين أسمع وراء ظهري اصطفاق الباب : إن الأمر لا يعنيها.

ماذا أفعل؟ حاولي أن تقولي لي رغم أنني لن أطيع ، ولكن عسى ذلك يساعد في الوصول إلى شيء.. إننا تافهون حين يضحي القرار متعلقاً بنا . أحياناً أفكر في الالتحاق بالفدائيين عسى أن أموت شريفاً على الأقل ، أحياناً أفكر بالسفر إلى مكان مجهول : أبدل اسمي وأعمل وأعيش إلى أن أموت بهدوء مجهول ..أحياناً أفكر في اقتحام بيتها والبقاء فيه.. ولكن ذلك كله – أسألك – ماذا يجدي؟ أتحسبين أنني أفتش عن فرار من نفسي؟ لا. منها؟ لا. إذن ماذا أريد؟ إنني أريدها . ولكن كيف؟ كيف؟ أين هي البلاطة السحرية في هذا الكون التي نستطيع أن نضع أقدامنا فوقها معاً؟

إن الشيء الوحيد الذي أردته في حياتي لا أستطيع الحصول عليه. لقد تبيّن لي أن حياتي جميعها كانت سلسلة من الرفض ولذلك استطعت أن أعيش . لقد رفضت المدرسة، ورفضت العائلة. ورفضت الثروة، ورفضت الخضوع، ورفضت القبول بالأشياء، ولكنني أبداً لم أرد شيئاً محدداً، وحين أريدها تفر من أصابعي ( وأصابع القدر والأشياء والعالم،أنا أفهم ذلك) مثلما يفر الماء من الغربال !

إنني أفكر بالنسبة لها كما يلي : معركتنا خاسرة، إذن فلنعمل على ربحها إلى أن تجيء اللحظة . الزمن ضدنا فلنستعمله طالما هو معنا . اللقاء مستحيل فلنتلاق حين يكون ذلك ممكناً. سنخسر كل شيء فلنربح الزمن كي لا نندم. البكاء قادم.

أنا أعرف أنها تحبني، لا ليس كما أحبها، ولكنها تحبني . إنها تردد دائماً أنها ضدي إذا شيّأتها ولكنها لا تكف عن تشييئي دون وعي منها. إنها تهرب مني في وقت لا أكف فيه عن الاندفاع نحوها. إنها – رغم كل ما تقوله – تفضل التفاهة والمشاعر التي تمر على السطح ،وأنا أعرف أن الحياة قد خدشتها بما فيه الكفاية لترفض مزيداً من الأخداش ولكن لماذا يتعيّن علي أنا أن أدفع الثمن ؟ إنها امرأة جميلة – وتستطيعين رؤية ذلك في صورها – ولكنها أجمل في الواقع من صورها ، وقد يكون دورها في إتعاسي وهزيمتي أنها مشتهاة بطريقة لا يمكن صدها وهو أمر لا حيلة لها به ولكنني أيضاً لا حيلة لي به، وهي ذكية وحساسة وتفهمني وهذا يشدني إليها بقدر ما يبعدها عني ، فهي تعي أكثر مني ربما طبيعة الرمال المتحركة التي غرقنا فيها دون وعي منا . أقول لك باختصار أنها جبانة، تريد أن تكون نصف الأشياء ، لا تريدني ولا تريد غيابي ، وفي اللحظة التي وصلت فيها أنا إلى انتساب كامل لها كنت أبحث عنه كل حياتي تقف هي في منتصف الميدان.

إنني أدفع معها ثمن تفاهة الآخرين..أمس صعقتني ، مثلاً، حين قلت لها أنني أرغب في رؤيتها فصاحت: أتحسبني بنت شارع؟ كانت ترد على غيري، وكنت أعرف ذلك ولكن ما هو ذنبي أنا؟

إنني أتمزق مثلما لم يحدث لي في حياتي أبداً، لا شيء كان قادراً على هزي بلا هوادة أكثر من هذه المرأة ، إنني أحبها وأشتهيها ..وفي سبيل ذلك ارتكبت حماقة أخرى لا يد لي بها : يا فائزة، ليس لديّ أية علاقة جنسية مع أي كان..هل تفهمين؟ إنني رجل مأساتي هي في ذلك التوافق غير البشري بين جسدي وعقلي ، هكذا قال لي الدكتور ولسون يوماً : ولذلك أنت مريض بالسكّر يا صغيري!

ولكن حذار أن تحسبي أن هذه هي المشكلة.لا.إنني لست صغيراً إلى هذا الحد ولم يعد الجنس بالنسبة لي نهاية الكون. ما هي مشكلتي إذن؟ لا أعرف ، ولكنني أريدها. هذا شيء مستحيل كما قد تقولين، وأنا أعرف ولكن هذه هي القصة.

دعينا نحاول اكتشاف الأمور ببساطة: لنقل أنها امرأة يلذ لها تعذيبي فلنسعد الآن، الفراق لا بد منه فلنتلاق بانتظار أن يأتي .

أو فلنبتر كل شيء الآن. هذه اللحظة، في جرح نظيف ونبيل ونهائي.

ولكن في الوسط؟ في الوسط يا فائزة التي تعرفين أنني لا أستطيعه، يا لتعاسة أخيك المغلوب على أمره..إن سيزيف نسي قضيته ضحية العادة.أما أنا فثمة صخرة واحدة، أحملها مرة واحدة، وأعود بها مرة واحدة!

وكيف حال أسامة؟ علميه أن الزيف هو جواز المرور الأكثر حسماً، وأن الدنيا هراء يكسب فيها من ينزلق على سطحها ، لا تروي له أبداً أبداً قصة خاله الذي أراد ذات يوم أن يصنع الحياة بمشرط جارح.. إن الحياة أقل تعقيداً وينبغي أن تكون أكثر بساطة. إن الحياة مثل هضبة الجليد لا يستطيع أن يسير عليها من أراد أن يغرس نفسه فيها. الانزلاق هو الحل وهو الاحتيال الأمثل .. علميه أن لا ينتظر ثلاثين سنة ليرتكب أخطاء خاله التعيس ، وأن لا يتوقع شيئاً.

لا تكتبي لي جواباً. لا تكترثي، لا تقولي لي شيئاً.إنني أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجأه الوحيد، وسأظل أعود : أعطيك رأسي المبتل لتجففيه بعد أن اختار الشقي أن يسير تحت المزاريب!

28/12/1966


* غسان كنفاني

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

يالكلّ هذا النزف .. أروُع مِن أن أصفه


http://armeea.com

كوفية يقول...

يا أهلا ..

حدث خطأ في هذه الأداة