الجمعة، 7 نوفمبر، 2008

نُتفُ ثلجٍ ، وكنزةٌ صُوفيَّة


سأقتفي أثَركَ في الثلجِ. سأتبعُ خُطى آثارِ حذائكَ الجلدي الطَويل الموشُومَةُ على الثلجِ. سأحملُ مظلةً سَوداء وسألبسُ تنورَة قصيرَة تُشبه تنانير المدارسِ بالكروهات وفيزوناً أسوَداً . ينسدلُ على أقدامي المتشجنة من البرد معطفٌ ثقيلٌ بفروٍ على النهايات وقُبعة تحمل نفس التطريزِ . سيلفَحني البَرد، وأكزُ على أسناني الضعيفَةُ.وسأمشي بخطواطٍ ثقيلَة مُتعبَة . سأفركُ كفي وأنفخُ في يدايَ شرارة حرٍ فتحمر وجنتي وأزفرُ طويلاً. إنَّهُ الشتاء وأنا صرتُ قريبَة من شكوكاني لاستئجارِ أفلام الديفيدي. أدخُل سريعاً ، عدة أفراد في الداخل يحتمُون من الثلج. شابٌ يلبسُ جاكيت جلدٍ أسودَ يعترضُ طَريقي. أمررُ يَدي على فيلم how to lose a guy in ten days ، وفيلماً آخر فُكاهي. ادفعُ ما في جيبي وأختفي سريعاً بينَ الضَباب.

أجلسُ على كُرسيَّ الهَزاز وأتذكرُ آخر ليلة مُثلجة حدثتني فيهَا . كنت تتصل ثُم يُقطع الاتصال وتُعاود الاتصال طيلَة الليل. الليل طَويل وهاتفي لَمْ يخرس بعدُ. إنّهُ يرن كل دقيقَة ويختفي الصوتُ بعد ذلك. في كُل شتاءٍ تتعبُ شبكات الاتصال. تأخذ راحَة طَويلَة وتنامُ لتنعَم ببعض الهُدوء والدفء. لا تَعلَم أنَّنا نحتاجُها شتاءً كَيْ نحصلُ على بعض من الدفء المختبئ في مكالمَة آخر الليل. يترنحُ الكُرسي طَويلاً. وأكمل حياكَة كنزتكَ المُلوَّنَة ، الريحُ تمُوج، تصيحُ كثيراً وتغضبُ. إنَّها تتصارعُ معَ الحكايا القَديمَة وتُفكر كيف تنتصرُ عليهَا، تُنادي بأسماءٍ مُختلفة. تطلبُ رعايا وتُذكرهُم بأسماء أعداءها. هذه هي الريحُ العاتيَة. أكوابُ الشاي تٌقرقعُ على الصينيَّة. تحملُها جدتي وتضعُها بالقُرب من المدفأة. في كيس صغيرٍ آخر ياتي أخي بالكستَناء. ويبدأ بتصفيطهَا على المدفأة ويضحكُ عليهَا عندَما تنكمشُ وتسخُنُ . يُحركها من على المدفاة مثل الجلول. فتركضُ سريعَا وتختبئ تحتَ الكَنبَة ، ينحني ليبحَث عن الحبَة ، تنهرُهُ جدتي : لا تأكل من على الأرضِ. ضعها في سلة النفاياتِ. يرميهَا خارجاً فتُصيبُ عين غزال بعيدٍ. يبدَأ بعد ذلك بتصفيط أكواز الذرة ، يرُشها بالملح ويضعُها كي تنضجَ . يسيلُ لعابُه كُل دقيقة ويبتسمُ ابتسامَة خبيثَة ؛ إنّهُ يُفكر كيف ينفردُ بها وحدَهُ. يدخُل جدي وفي حجره حطبُ كَثيرُ. يفتحُ باب المدفأة ويبدأ بإطعامهَا بالحَطب . يرتفعُ صوتُها عالياً. إنها تُزمجرُ وتصيحُ فرحاً وانتصاراً، يتآكلُ الحطبُ في الداخلِ ويشتعلُ البيتُ سُخونَةً. يتحركُ الكُرسي للخلف وللأمامِ في لحظاتٍ متساويَة، وأعملُ على ربط الحبات بخيطِ مُلون كي لا يكُون ظاهراً. الكَنزة صارت جاهزةً لجسدٍ مُشتاقٍ للدفء.

الثلجُ كثيرٌ .. الثلجُ قَدْ يصلُ ارتفاعُهُ اكثر من نصف مترٍ. غَداً عُطلة رسمية، وسنقُوم بصنع رجل الثلج. ستكون عيونُه من الزيتون. سأجلبُ جزراً لانفه وقُبعة من الصوف لرأسه. وسأقطعُ فُروعاً من شجرة الكرز ليديه. سألبسهُ شالاً قديماً لجدتي وسنبعثُ فيهُ رُوحاً قَصيرَة كي يعيشَ معنا كُل أيَّام الثلجِ. هرعنَا جميعاً معَ أولاد عمي لتجهيزِ حُلة الشتاء . أكياسُ لأقدامنا كي لا تبرُد تحت الجزم. كفوف جلدية، ملابس تثقيلَة ولا تعمل على إعاقة حركتنا حينَما نركض. وأخيراً : زيتون وجزر لرجُل الثلج.

يدخُل والدي وعَمِّي سَريعاً. يُنادي عمي الأصغرُ جدي للخارج. تُسرع جدتي عندَنا وتقُول : سنتغدى اليَوم على الغزال الذي قاموا باصطيادهِ، أسرعُ معَ أخي الصغير للنافذَةِ ونرى الغَزال الصغيرَ. أحمل يدايَ لعيني، وأصرخُ : حرام حرام . الغَزال مازال صغيراً. يملاً أخي المَكان بضحكَة ، ينقُر رأسه بالنافذة الباردَة ويقُول : سيكُون لذيذاً.

أحملُ كنزتَك سَريعاً، أخبئهُا في شنطة صُوفية مُلوَّنة كُنت قد نسجتُها الشتاءَ الماضي. أسرعُ لكهفكَ الصغير. الكهفُ حارٌ، لمْ يكتشف الثلجَ المُتراكمَ خارجاً. لَمْ يصحُ من غفوَته بعدُ. أتلمسُ طريقي للداخلِ.أستشعرُ الجُدرانَ العاريَة. يُخبُو خَوفي شيئاً فشيئاً. لاشيْء هُنالك سوى الخَواء الذّي يُكرر صوتَ أقدامي. أصلُ لنهايَة الكَهف، أخرجُ عُودَ ثقابٍ واحُكهُ فيُنار الكهفُ سَريعاً. اخلعُ معطفي وأقربُه من النار لينشف. أبحُث عنْك سريعاً. ما تزالُ نائماً ، عارياً متلحفاً بشرشف خفيفٍ لم يكتشف جسدُك البَردَ بعدُ ، وشعرُك هاربٌ من قَصيدَةٍ مكتُوبة على صفحَة الماء. من أيِّ طينٍ أنتَ مجبُولٍ يا جسدُ ؟ أخرجُ كنزتَك أضعُها على صدركَ العاري، أقتربُ منك وأطبعُ قُبلة حارَّة ، ادفئك فيهَا وأنسلُ للخارجِ سريعَاً.

هناك 5 تعليقات:

غير معرف يقول...

"ياختيه شكلج من زود الحر قمتي تتخيلين الثلج في اليلاد هههههه "



عيبتني المقالة ..إلى الامام عزيزتي :)

كوفية يقول...

قولتك :D ؟
و الله مشتاقين للبرد والتلج وكنزات الصوف والشاي السخن والمهلبية والرز بحليب :)

نورتي ،

إسلام محمد يقول...

جد راااائعة كوفية
النهاااااية اذهلتني
كانت الأروع

بتمنالك التوفيق :)

كوفية يقول...

كُل الشكر عزيزتي إسلام (L)

دمت بود

حمودة يقول...

كأن جزءا من الموضوع مقتبسٌ من قصة حقيقية؟
أستطيع كتابة الطلاسم، لكنني لا أتقن فكها بسهولة :)
لكن ما علق في نفسي من كتابتك برد أحاط بي، ودفء أحاط به.

حدث خطأ في هذه الأداة