السبت، 16 أغسطس، 2008

فَـقدٌ مَريرٌ



الشُّعُور بالفَقدِ أمرٌ مَرير. جَمَعُوا شُنتهُم ولوَّحُوا ليَ بمنديلٍ منَ البَعيدِ. أمسكتُ معطفي من قبَّتهَ حتّى لا تصفَعَني الريحُ ولَوَّحتُ بمنديلٍ أحمرٍ صغيرٍ وأرسلتُ دَمعاً : مَتى ستعُودُون ؟ هل ستُحضرونُ ليَ الشُوكولا منَ سويسرَا ؟ هَلْ ستأتونَ ليَ ببطاقاتِ بريدٍ عُثمانيَّة ؟ هل ستقُومون بدعوتي لحفلةٍ مُوسيقيَّةٍ في عمّان ؟ هَلْ ستَكُون الأيَّامُ طَويلةً وتزحفُ ببطء كفُستانِ العرُوس ؟ أم ستبكي سريعَاً وتعُود لي ؟
الأيامُ مُزعجَة ولا تنفكُ عن تذكيري بصوَركُم جميعاً وبأشكال عيُونكُم وصوتكُم الذّي أخرستهُ مُضيفَةُ الطَيرانِ مُعلنَةً ساعَة الانطلاق وحظر الهَواتف النقَّالَة دُون أن تعي أنَّني بدأتُ أتعلقُ بالهاتفِ وأريدُ أنْ أضُمهُ لصدري ساعَةٍ أخرَى وأنَّ أصواتَكُم لذيذَة وأريدُها أن تقتربَ أكثرَ فأنا مجنُونَة أريدُ أن أغريهَا لكيْ تخرُج من بابِ الطائرَة وتسرقني من قاعَة المُغادرَة في المطارِ معهَا.

أمسكُ بقُبعتي وأخبئ شَعري تحتَها حتَى لا يتبلَّلَ تحتَ المَطر. أعُود أدراجي بعدَ أن يصيرُوا نُقطَةً تُحلِّقُ في السَّماء . يطيرُ فُستانيَ الأحمرُ من تحت معطَفي؛ يتذمرُ، يُريدُ أن يتعلقَ في الخَزانة ليبكي نَفسهُ بعيداً عني.
البَارحَة أمسكتُ هَداياكُم ، وشرعُت أتلمَّسُ كُل شيءٍ فيهَا. رائحتُكُم التي لمْ تختفي يا أحبَّة، ملابسُكمُ التي يفُوحُ عطرُكُم منهَا. بطاقاتُكُم التي تُذيَّلُوها بقُبلَةٍ أضعُها على شفتيَّ وأبكي. صُوَرُكُم التي أقبلُهَا حتَّى غرقت بأحمر شفاهي.
أجلسُ في الليلِ . أفتحُ هاتفي النقَّالَ وأضربُ أرقامَكُم. أتصلُ عَشراتِ المرّاتِ فقَد أسمعُ صَوتَكُم وقَد تُجاوبُني الـ answer machine وتقُول : حبيبتي أنا في سَفرٍ فاترُكي قُبلَة وخبئيهَا في جوَّالي فسأعُود للاتقاطهَا. وأرمي المَزيدَ من القُبَلِ وأغرقُ في المُكالمَة ولا أكتفي بساعَةٍ واحدَة. أحدثُكُم وأجيبُ عنكُم جَميعَاً. وأنامُ وأنسى هاتفي مفتُوحاً.
تُحاولونَ دَوماً تطميني بأن شهراً واحداً بقي ورُبمَا أقلُ وبأنهُ سيجري بسُرعَة كبيرَة ولن يصطدمَ بعَثرةٍ . وشهرُكم بعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَنْ شهري. شهري مُحتالٌ كَبيرٌ يَفرحُ إذَا بكيتُ وينامُ كَثيراً ولا ينسَى أن يضحكَ عليَّ في غيابكُم ويدعُوني : بائسَة . وأحياناً : كئيبَة . ويفتنُ الشُهورَ الأخرى عليَّ ولا يزالُ يضحَكُ . أعيروني شَهركُمُ السَّريعَ واقتلوا شَهري فهُو يُريدُ سحقي بين راحتيه.

سأحبُك أكثر، سأغُور كُل يومٍ في صَدركَ. سألعبُ بشعرك الطويل،ِ سأعُدُّ رُموشكَ، سأقفُ بين شفتيكَ، سأبكي كيْ تحجزَ لي ticket معكَ لكي أغادرَ. إنّني أعجنُ غيابكَ بكلتا يدايَ يا حبيبي وأصنعُ الخُبزَ كُل يَومٍ. لدي الكَثيرُ من القَمحِ الذّي نَما على ساعدايَ حينمَا نمتَ على سريرٍ مُتخلفٍ. لا تُفكر مرَّةً أخرَى باستقبالِ فَجرٍ جَديدٍ دُوني . إيَّاكَ أن تلبسَ جاكيتاً حتّى لا يَشربَ البردُ من جسَدكَ ويرويَك المطرُ قبلَ أن أحُوكَه لكَ. هذه تعليمَاتٌ جَديدَة ستطبعُها على راحتيكَ قبلَ أن تطرقَ بابَ غُرفتي وتُصيح : مُفاجأة أنا عُدت قبلَ المَوعدِ لأفاجأكِ !

إنَّ الأيّامَ في غيَابكُم صَعبَة وتُفكِّرُ بالانتحارِ ودمجِ نفسهَا بالغيابِ فلا تكتملَ؛ متَى ستعُودُون يا أحبَّة فياسمينَةُ قَلبي بدأت تجُفُ ! يَدايَ ترتجفُ وصَدري وَحيدٌ وصَوتي ضَاعَ دُونَكُم ! أورُوبا ليسَت جَميلَة بقدري و اللهِ .

هناك تعليقان (2):

حمودة يقول...

لغتك تتكامل، لكنها ما زالت تحتاج إلى ترابط أكثر في التعبيرات والتشبيهات.

"بكلتا يدايَ يا حبيبي"
يداي خطأ، والصحيح "يديّ" :)

"قبلَ أن أحُوكَه لكَ"
قبل أن تحوكيه أم تحيكيه؟

"يَدايَ ترتجفُ"
يداك لا ترتجف، وإنما ترتجفان؛ فهما مثنىً.

النص جميل، وسيعود المسافرون بالسلامة إن شاء الله :)

كوفية يقول...

أهلاً حمودة
شكراً على التصحيح :)
أهلاً بك دائماً :)

حدث خطأ في هذه الأداة